السيد علي الحسيني الميلاني

298

نفحات الأزهار

وأما معنى الرسول فهو المرسل ، فعول على لفظ مفعل ، وإرساله أمره إياه بإبلاغ الرسالة والوحي ، ومعنى الوحي مأخوذ من الوحي وهو العجلة ، فلما كان الرسول متعجلا لما يفهم قيل لذلك التفهم وحي ، وله مراتب ووجوه في القرآن وحي إلى الرسول ، وهو أن يخاطبه الملك شفاها أو يلقي ذلك في روعه وذلك قوله ( وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء ) . يريد بذلك خطابا يلقى فهمه في قلبه حتى يعيه ويحفظه وما عداه من غير خطاب ، فإنما هو ابتداء إعلام وإلهام وتوقيف من غير كلام ولا خطاب كقوله تعالى : ( وأوحى ربك إلى النحل ) ، ( وأوحينا إلى أم موسى ) وما في معناه . ثم إن هذه النبوة التي هي السفارة لا تتم إلا بخصائص أربعة يهبها الله لهم ، كما أن إزاحة علل العقول لا تتم إلا بالسلامة من آفات أربع يعصم منها ، فالسفير السعيد بالمواهب الأربع سليم عن الآفات الأربع ، والعاقل السليم من الآفات الأربع ليس بسعيد بالمواهب الأربع . فالمواهب الأربع أولها : الفضيلة النوعية ، وثانيها : الفضيلة الإكرامية ، وثالثها : الامداد بالهداية ، ورابعها : التثقيف عند الزلة . والآفات الأربع التي يعصم منها السليم من الأولياء أولها : الكفر بالله ، وثانيها التقول على الله ، وثالثها الفسق في أوامر الله ، ورابعها الجهل بأحكام الله . فمعنى الفضيلة النوعية : أن الأحسن في سير الملوك والأحمد من حكمهم أنهم لا يرسلون مبلغا عنهم إلا الأفضل المستقل بأثقال الرسالة ، قد ثقفته خدمته وخرجته أيامه ، والعقول تشهد أن مثله يكون مقيضا مرتادا عند المرسل في الابلاغ والتأدية عنه ، فالله الحكيم العزيز لا يختار للرسالة إلا المتقدم على المبعوث إليهم المزين بكل المناقب ، ولهذا لم يوجد نبي قط به عاهة في بدنه أو اختلاط في عقله أو دناءة في نسبه أو رداءة في خلقه ، وإليه يرجع قوله تعالى ( الله أعلم حيث يجعل رسالته ) . ومعنى الفضيلة الإكرامية : أن الملوك متى أرسلوا رسولا اختاروه للوفادة أيدوه في حال الإرسال بلطائف وكرامات وزوائد معاونات ، ييسرون الخطب عليه